مبادرة البوليزاريو أنقذت الموقف في مجلس الأمن..بقلم: الديش محمد الصالح.

كانت مداولات مجلس الأمن لهذه السنة، تحت الرئاسة الدورية للولايات المتحدة، جد معقدة حول قضية الصحراء الغربية، حيث بدا اعضاء المجلس منقسمون حول كيفية التعاطي مع القضية.
 
ولولا مبادرة جبهة البوليزاريو بالانسحاب من المنطقة العازلة بالكركرات التي لطفت الاجواء وحققت إجماع المجلس وساهمت في الاخراج النهائي للقرار 2351  بتاريخ 28 أبريل 2017، لفشل المجلس في التقدم في معالجة قضية الصحراء الغربية.
 
والاكثر من ذلك انها جنبت مجلس الامن الوقوع في فخ اقامته فرنسا والحلف الموالي لها يهدف الى الانحراف عن الشرعية الدولية في التعاطي مع قضية الصحراء الغربية والذي كان سيشكل اخفاقا لمجهودات المجلس من اجل استتاب السلام في المنطقة والعواقب الوخيمة التي ستترتب من جراء هذا الانحراف على مصداقية الامم المتحدة في معالجة القضايا العادلة.
 
ويعود جوهر الخلاف داخل مجلس في تعاطيه مع قضية الصحراء الغربية الى:
 
          1. من جهة الاحتكام للشرعية الدولية كون القضية هي قضية تصفية استعمار بدأت عندما قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1963 ادراجها ضمن الأراضي التي لا تتمتع بحكم ذاتي في انتظار ان يقرر شعبها مصيره عبر استفتاء، وتعاطت الأمم المتحدة مع القضية على اساس القرار 1415 للجمعية العامة لسنة 1960. وكان الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة 1975 الذي نفى أية روابط سيادية للمملكة المغربية على الصحراء الغربية قد أزال كل اللبس عن أمكانية ممارسة الشعب الصحراوي لحقه في تقرير المصير والاستقلال.
 
وكانت خطة التسوية لسنة 1991 من أجل استفتاء حر، عادل وشفاف اهم الانجازات التي حققتها الامم المتحدة والتي بموجبها تم ارسال بعثة الأمم المتحدة من أجل الاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو).  
 
           2. ومن جهة ثانية، هناك المملكة المغربية التي تراهن على المصالح في مطالبتها بالصحراء الغربية، حيث وظفت علاقاتها الوطيدة مع حلفائها الوازنين في مجلس الأمن لخدمة أهدافها التوسعية التي امتدت إلى نهر السنغال مرورا بموريتانيا وجزء من الارضي الجزائرية والمالية، وكذلك من اجل خلق عدم الاستقرار في المنطقة التي تشهد تحررا من القبضة الاستعمارية خاصة الفرنسية التي لم تتخلى بعد عن تلك السياسات التي ألحقت أضرارا كبيرة بالمنطقة وعرقلت مسار التنمية والاندماج الاقتصادي.
 
وباعتبار ان الصحراء الغربية غنية بالموارد الاقتصادية، خاصة وأنها تحوي أكبر مخزون للفوسفاط الذي يعتبر اليوم مادة اساسية ويحدث عليها الطلب بكثرة، فقد سال ذلك لعاب الكثيرين مما جعلهم يساومون على المبادئ الإنسانية مقابل المصالح ويخلطون بين ما هو حلال وحرام. لقد لعبت فرنسا دورا كبيرا في لعبة المصالح هذه واستطاعت المغرب تسويقها للضغط باتجاه المساس من الشرعية الدولية التي تحكم قضية الصحراء الغربية من خلال تقزيم مفهوم تقرير المصير وبالتالي تشريع احتلال التراب الصحراوي.
 
اول انطباع يخرج به المرء، بعد مداولات مجلسوالامن الماضية، هو ان كلمة جبهة البوليزاريو، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، صارت مسموعة داخل مجلس الامن واصبح لها وزنها ضمن موازين القوى الدولية وهذا بفضل شبكة العلاقات القوية التي نسجتها جبهة البوليزاريو مع اعضاء دائمين وغير دائمين في مجلس الامن.
 
فمبادرة الجبهة بالانسحاب من المنطقة العازلة بالكركرات، التي لقت ترحابا وتقديرا من اعضاء مجلس الأمن، مكنت هذا الأخير من تجاوز خلافاته وسمحت بتركيز انشغاله نحو الإسراع في الدخول في مفاوضات جادة من شأنها تكسير حالة الجمود القائمة والتسريع بحل القضية الصحراوية.
 
بهذا اظهرت جبهة البوليزاريو انها، مثلما هي تمتلك زمام المبادرة في الميدان في الكركرات وغيرها من التراب الصحراوي، واستطاعت إيقاف القطرسة المغربية وتطاولها على الإرادة الدولية وسمحت بعودة المينورسو ومزاولة مهامها وتراجع قواتها مرغمة من الكركرات، لا يمكن كذلك تجاهلها كطرف وازن استطاع إفشال مناورات ومؤامرات من سولت لهم أنفسهم الاستخفاف بإرادة الشعب الصحراوي وقوته وعزيمته على تحقيق إستقلاله الحتمي، والذي لا شيء سواه، أحب من أجل وكره من كره.
 
التغيير في موازين القوى هو الذي كان وراء ما حدث في مجلس الامن، والعدو المغربي وحليفتها فرنسا الاستعمارية اخطأوا في التقدير عندما لم يضعوا بالحسبان عوامل القوة التي يمتلكونها الصحراويين سواء منها الذاتية أو على مستوى المنطقة أو في افريقيا وفي العالم.
ويؤكد التأجيل الذي حصل بساعات قليلة قبل التصويت اهمية موقف الجبهة الذي كان لزاما على المجلس انتظاره لأنه في غيابه سيحكم على نفسه بالفشل النهائي.
 
وكانت رئاسة المجلس، التي كانت حينها الولايات المتحدة الامريكية، أدارت الجلسات بكل حرفية ولم تخف ارتياحها لمبادرة الجبهة ودعمها القوي لتمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره غير قابل للتصرف، بل واستعدادها للمساهمة في دعم مسار التفاوض التي طالبت باستئنافه على الفور.
 
كانت جبهة البوليزاريو، بقرار انسحابها من المنقطة العازلة بالكركرات، قد فرضت على مجلس الامن طي صفحة الماضي الذي تلاعبت فيه المملكة المغربية وحاميتها فرنسا الاستعمارية بمسار الحل السياسي وحاولتا  تفصيل الحل على مقاس يشرع احتلال الصحراء الغربية.
 
وبالمقايل استطاعت الجبهة ان ترسم معالم مرحلة جديدة ستكون فيها الكلمة الاولى والاخيرة لصاحب الحق المشروع، الا وهو الشعب الصحراوي، الذي برهن على فرض القبول بمنطق الدولة الصحراوية المستقلة والتي بدونها لا يمكن أن يتحقق أي سلام ولا اي استقرار في المنطقة.
 
فالخطوات القادمة ، بلا شك، ستكون حاسمة، وبامتلاك الطرف الصحراوي زمام المبادرة، لم يترك اي خيار للمملكة المغربية سوى ان تجلس على طاولة المفاوضات بنية صادقة لرسم مستقبل تتعايش فيه الدولتان الصحراوية والمغربية في وئام وسلام واحترام متبادل.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق