نيوزويك: لماذا أصبحت الإحتجاجات في المغرب أكثر خطورة؟

بعد مرور سبعة أشهر على سحق البائع المتجول المغربي محسن فكري، في شاحنة القمامة أثناء مواجهة مع الشرطة، ما زال آلاف الشباب المغاربة يتحدّون نظام الملك محمد السادس باحتجاجات مكثفة في الشوارع. وفي الآونة الأخيرة، اتسعت رقعة الإحتجاج، ولم تعد محصورة على منطقة فكري الأصلية، في جبال الريف، بل وصلت إلى مناطق أخرى وعلى الخصوص إلى الدار البيضاء والعاصمة الرباط.
حاول محمد السادس امتصاص الغضب وإخماد الاحتجاجات بالتعازي التي قدمها لأسرة فكري. وبعد ذلك قام وزراءه بسجن المسؤولين المحليين عن وفاة بائع السمك، وإقالة عامل الإقليم، وجددوا عزمهم على توفير التنمية الاقتصادية ومناصب الشغل للريف المهمش. وفي الشهر الماضي، حاولوا مرة أخرى إخماد الحركة الاحتجاجية باستعمال وسائل أشد ثقلا، وذلك باعتقال قادتها، وإطلاق الغاز المسيل للدموع على المحتجين.
إلا أن المتظاهرين ــ الشباب، وبشكل أكثر فأكثر من النساء ــ يواصلون احتلال شوارع المدينة، وإغلاق أسواقها بتنظيم إضرابات عامة، وكرد فعل على اعتقالات المتظاهرين هذا الشهر ردد بعضهم “انتهى الاحتجاج السلمي”، وتراشقوا مع الشرطة بالحجارة في الاشتباكات
ويدلّ استمرار الاحتجاجات على أن تكتيكات محمد السادس لنزع فتيل احتجاجات المغاربة المطالبين بحكم ديمقراطي، وغير فاسد، انتهت مدة صلاحيتها. وإذا أراد الملك أن يحافظ على “الاستثناء المغربي” والاستقرار النسبي الذي يعيشه المغرب في عالم عربي مضطرب، فلم يعد بإمكانه إجراء تغييرات شكلية فقط تحافظ على الحكم السلطوي.
 إن إصرار المغاربة على المطالبة بالتغيير الحقيقي، ومخاطر الاضطرابات العنيفة في حال تم تجاهل مطالبهم، آخذة في الازدياد. ومعها يتزايد خطر انتشار الحركات الإسلامية المتطرفة العنيفة في أوساط الشباب المحبط بشكل متزايد، هذه الحركات التي تم احتواؤها في المغرب حتى الآن.
إن المشكلة تكمن في كون محمد السادس غير قادر على إرساء الديمقراطية الحقيقية والشفافية التي يطالب بها المتظاهرون، لأن ذلك من شأنه أن يشكل خطرا على الفساد النظامي المستشري في ظل حكمه. إن الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعترف بشكل روتيني بالفساد وأثره المدمر على الحكم في المغرب، لن تضغط على محمد السادس في هذا الاتجاه.  الاتجاه. 
ملك الفقراء
يتوفر الملك محمد السادس على رأس المال السياسي لإنجاز الإصلاحات، وقد عبر  عن نيته عند اعتلائه العرش. وخلال العقد الأول من حكمه، أعجب المغاربة والأجانب بصورته كـ “ملك للفقراء”. وعد بتحقيق الإنفتاح في الفضاء السياسي في المغرب، وتوسيع حقوق المرأة، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين الذي اعتقلهم والده الحسن الثاني، كما سمح بإجراء تحقيق محدود في “حالات الاختفاء القسري” للمعارضين خلال فترة حكم والده، وحقق نموا اقتصاديا وخفض من الفقر المدقع بشكل ملحوظ.
سنة 2011، عندما وصلت احتجاجات الربيع العربي إلى المغرب، سارع الملك محمد السادس إلى إعلان الإصلاحات الديمقرطة لنظام الحكم. لكنه ظل يتحكم في هذه العملية بشدة، وذلك باختيار الأشخاص الذين سيكتبون الدستور الجديد، ومنع إجراء نقاش عمومي مفيد حول التغيير، والإسراع إلى تقديم مشروع الدستور الى استفتاء تم التصويت عليه رسميا بنسبة 98 فى المائة لصالح “نعم”.
اعترف الدستور الجديد رسميا باللغة والثقافة الأمازيغيتين، ما أدى إلى التخفيف من مظلمة طال أمدها وساهمت في تأجيج احتجاجات الربيع العربي في البلاد. ورغم أن القوانين الجديدة تبدو ديمقراطية إذ تفرض على الملك اختيار رئيس الحكومة من الحزب الأول في البرلمان، إلا أنها أبقت على سلطات الملكية في التحكم في البرلمان وإضعافه من خلال منع أي حزب من الحصول على الأغلبية. سارع الملك إلى إجراء انتخابات دفعت إلى الأمام “إبن الشعب”، الاسلامي عبد الإله بن كيران، الذي عينه محمد السادس رئيسا للحكومة.
وهكذا أدت الاصلاحات، الحقيقية والمزعومة على حد سواء، وكاريزمية بنكيران إلى زرع قدر كاف من الأمل في التغيير، وساعدت القصر على عزل وقمع حركة 20 فبراير. كما مكنت حكومة محمد السادس من ربح الوقت وتفادي إصلاحات حقيقية تستجيب لمطالب الدمقرطة والتشغيل والخدمات العمومية مثل الرعاية الصحية، وبشكل أخص وقف الفساد الرسمي المستشري.
خمس سنوات مرت وضاع الكثير من الوقت. أكيد أن عمليات التحديث الاقتصادية التي قام بها الملك محمد السادس خلقت ثروات، وتظهر هذه الثروات أساسا في الأوساط الميسورة التي تتوفر على المسابح وملاعب الغولف التي تضم إشهارات لبيع الفيلات في ضواحي خارج الرباط ومراكش وغيرها من المدن. ولكن، في الوقت الذي قلّص فيه المغرب معدل الفقر الإجمالي بين عامي 2007 و 2014، فإن البطالة لا تزال مرتفعة بنسبة 9 في المائة بشكل عام، و 39 في المائة في صفوف الشباب الخطير في المدن. ولا تزال المناطق الواقعة خارج المثلث الواقع بين طنجة وفاس وأكادير متخلفة، بما فيها الريف الذي تم تهميشه لمدة عقود بسبب التوتر الذي طبع العلاقة بين سكانه الأمازيغ والملك الحسن الثاني.
إن أكبر عقبة أمام إرساء الديمقراطية وتحقيق تنمية أفضل هي الفساد المستشري في المغرب. غالبا ما يتحدث المغاربة عن الرشاوى التي يتلقاها الشرطة والأطباء والمسؤولون الحكوميون، كما أن هناك تقارير لرجال الأعمال المغاربة والصحفيين الاستقصائيين تصف السطو الممنهج على الاقتصاد من طرف القصر الملكي، وجزئيا من طرف الشركات التي يملكها محمد السادس وأسرته. في سنة 2009 تم تسريب برقية دبلوماسية أمريكية مما جاء فيها: “إن الممارسات الفاسدة التي كانت موجودة في عهد الحسن الثاني أصبحت أكثر مأسسة في عهد الملك محمد السادس”. وبعدها كشفت تقارير للموقع الإستقصائي المغربي “لكم”، وكذلك صحيفة “لوموند” الفرنسية، عن جزء من هذه المنظومة الفاسدة، ما حدا بالسلطات إلى إغلاق موقع “لكم” واعتقال رئيس تحريره. وفي خطاب العرش للسنة الماضية، حث الملك المغاربة على “محاربة الفساد وفضح المتورطين”، ورغم ذلك يتم اعتقال الصحفيين المغاربة الذين يحققون في الفساد باستمرار.
قد يبادر الملك ومساعدوه على طبخ وصفة تجمع مرة أخرى بين تقديم الوعود وقمع الاحتجاجات الحالية لإخمادها مثلما فعلوا أيام الربيع العربي. إلا أن مزاعمهم في الإصلاح لنزع فتيل الغضب الشعبي والاضطرابات العنيفة يصبح في كل مرة أقل فعالية، وأكثر خطورة.
جيمس ربرت كاتب متخصص في العلاقات الدولية ومراسل سابق لمجلة “نيوزويك” في المغرب

ترجمة سعيد السالمي

 

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق