عودة المغرب للحضن الإفريقي تصطدم بأن لا مساومة على المبادئ

طرحت عودة المملكة المغربية للحضن الافريقي ولازالت تطرح الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام حول الدوافع الحقيقية التي جعلت الملك الابن محمد السادس ينقلب على قرار اتخذه ابوه الملك الحسن الثاني منذ اكثر من اربعة وثلاثين سنة.
 
فهل الملك الابن أدرك أن اباه ارتكب خطأ عندما خرج من منظمة الوحدة الإفريقية احتجاجا على القبول الحتمي بالدولة الصحراوية؟ أم أن خروجه من هذه المنظمة أتى في إطار خطة تكتيكية لتجنب آثار الصدمة و للتقليل من الدور الافريقي في حل القضية ونقل الملف إلى الأمم المتحدة لربح الوقت؟
 
وهل قرار العودة الآن جاء ليتبنى ذلك الموقف الذي اتخذته إفريقيا بكل قناعة وبناء على منطلقات سليمة وبالتالي فتح صفحة جديدة تبدأ بإنهاء الاستعمار من آخر مستعمرة في افريقيا بدأت منها وتنتهي بها؟ او ان الملك الابن اختلطت عليه الأوراق من جراء العزلة الخانقة والنار المشتعلة داخل مملكته وبات لا يفرق بين الطرق التي يسلكها، حتى ان الأحلام تشابهت عليه مع الحقائق؟
 
وهل الملك فقد عقله حتى تجاهل من هي افريقيا وماهي التحولات العميقة التي شهدتها، وظن انه بمجرد زيارات استعراضية ومشاريع خيالية، يستطيع تغيير مواقف دول وشعوب قدمت تضحيات جسام من اجل انتزاع حقوقها وتتطلع لمستقبل افضل؟
 
او ان عودة المملكة المغربية ليست سليمة الاهداف، وما تسعى إليه هو تدمير إفريقيا وإعادتها لزمن الانقسامات؟ او ان المغرب تقوم بتنفيذ مخططات الاليزي لعرقلة تقدم القارة السمراء نحو تشكيل كلتة وازنة سياسيا واقتصاديا؟
 
جاء تفكير المملكة المغربية بالرجوع للحضن الافريقي عندما شعرت بأهمية الدور المتزايد الذي اصبح يلعبه الاتحاد الافريقي في حل القضية الصحراوية باعتباره طرف في خطة التسوية الهادفة إلى تنظيم استفتاء لتقرير مصير الشعب الصحراوي، والتي كان من بنودها وقف إطلاق النار وارسال بعثة الامم المتحدة الى الصحراء الغربية للإشراف على هذا الاستفتاء، وباعتبار ان هذه الاخيرة أراضي افريقية خاضعة لتصفية الاستعمار، خاصة في ظل جمود في مسار الحل السياسي تعمدت خلقه المغرب وحلفائها من اجل عرقلة الاستفتاء.
كما ان هذا التفكير جاء بعد استنفاذ كل الطرق والوسائل التي من شأنها إضفاء الشرعية على احتلال المغرب للصحراء الغربية وبالمقابل تأكيد اعتراف العالم بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
 
فشلت المملكة المغربية في اولى محاولاتها في القفز على اجراءات الانضمام للاتحاد الافريقي وذلك خلال القمة السابعة والعشرون للاتحاد بكيغالي، روندا، شهر يوليوز 2016، رغم انها قامت بحملة دعائية روجت خلالها للائحة كاذبة لعدد من الدول الافريقية تطالب بعودة المغرب وتجميد عضوية الجمهورية الصحراوية، واعلان الملك محمد السادس عن مشاركته وتحضيره لخطاب كان ينوي القاءه أمام القمة ملئ بالعبارات الحاطة والمهينة.
فجاءت النتيجة عكسية تماما، بحيث تجاهل الاتحاد الإفريقي الطلب المغربي، وفي المقابل وقف القادة الأفارقة دقيقة صمت ترحما على روح الرئيس الشهيد محمد عبد العزيز ونوهوا بجهوده لإحلال السلام كما رحبوا بالرئيس الجديد للجمهورية الصحراوية السيد ابراهيم غالي.
 
لقد بعثت قمة كيغالي برسالة واضحة للمملكة المغربية مفادها انها اذا ارادت الانضمام للاتحاد الافريقي فعليها أن تتبع الإجراءات القانونية المتعلقة بالانضمام للاتحاد والتي تتطلب التوقيع على الاعلان التأسيسي والبروتوكولات المرفقة واحترام سيادة الدول الأعضاء.
 
ترحاب الأفارقة بالمغرب وقبول انضمامها للاتحاد الافريقي شهر يناير 2017 خلال القمة الثامنة والعشرين باديس ابايا، اثيوبيا، جاء بعد توقيع المملكة على الاعلان التأسيسي للاتحاد الذي ينص على احترام سيادة الدول الأعضاء وعدم الأعتداء عليها والالتزام بالجلوس بدون شروط إلى جانب الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.
ان قبول انضمام المغرب لا يعني بالنسبة للأفارقة تغييرا في موقفهم اتجاه الكفاح العادل الذي تخوضه الجمهورية الصحراوية من اجل تحرير اراضيها التي تحتلها المملكة المغربية، بقدر ما هو حرصهم على انهاء الاستعمار من آخر مستعمرة بأفريقيا وجمع شمل الأفارقة لمواجهة التحديات التي تواجهها القارة في عهد التكتلات.
 
ولعل القمة التاسعة والعشرون للاتحاد الافريقي شهر يوليوز الماضي باديس ابابا، أثيوبيا، قطعت الشك باليقين عندما أكدت من جديد انشغال الأفارقة بالتعجيل بتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية ولأول مرة تطالب الدولتين العضوتين الجمهورية الصحراوية والمملكة المغربية بالدخول في مفاوضات مباشرة، وهو الأمر الذي عكر مزاج الوفد المغربي الذي كان يقوده مولاي رشيد اخ الملك محمد السادس بحيث غادر قبل انتهاء القمة حاملا معه خيبة امل وفشل ذريع في عدم اختراق الموقف الأفريقي.
وجاء قرار القمة 37 لمجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية (ساداك) التي عقدت يوم 20 أغسطس 2017 بجنوب افريقيا تنظيم ندوة دولية للتضامن مع الصحراء الغربية بعد ان اعربت عن انشغالها ازاء تأخر تصفية الاستعمار من هذا البلد، وهي مبادرة من اجل دعم الإجماع الافريقي في القضاء على بقايا الاستعمار في القارة.
 
وانعكس تضامن الافارقة مع القضية الصحراوية في اكثر من مناسبة، حيث قرر المجلس التنفيذي للاتحاد خلال قمة جوهانسبورغ، بجنوب افريقيا سنة 2015 احترام القرار السيادي لجميع الاعضاء في جميع لقاءات الشراكة التي ينظمها الاتحاد الافريقي واكد نفس المجلس على ذلك الموقف في قمة أديس أبابا الاخيرة.
ومثلت قمة الشراكة بين الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية هي الاخرى شهر نوفمبر 2016 بملابو ، غينيا كوناكري، مناسبة ابان فيها الافارقة عن اجماعهم على عدم اقصاء اي عضو من الاعضاء ووقوفهم الى جانب الجمهورية الصحراوية رغم حجم الضغوطات التي مارستها المغرب وحلفائها من الخليجيين. وتكرر نفس موقف التضامن مع الدولة الصحراوية في دكار، السينغال شهر مارس 2017 خلال اجتماع وزراء الاتحاد الافريقي والامم المتحدة للمالية والتخطيط، وفي مابوتو، موزمبيق يوم 24 اغسطس 2017 خلال قمة الشراكة بين الاتحاد الأفريقي واليابان.
 
والملفت للانتباه هي التصرفات الغريبة وغير اخلاقية والتي لا تبت للدبلوماسية بصلة التي تقوم بها الوفود المغربية، والتي لا تنم الا عن فشل ذريع في عدم ثني القارة السمراء عن مواصلة طريقها في القضاء على آخر بقايا الاستعمار فيها، وبالتالي الاصابة بالجنون والإحباط.
 
كان ينتظر الافارقة من ملك المغرب ان يحمل معه السلام بعودته هذه للحضن الافريقي، ويكون شجاعا في التكفير عن ظلمه للشعوب الافريقية وخاصة ان يسحب قواته من الأراضي التي يحتلها من الجمهورية الصحراوية ويسمح لشعبها بممارسة حقه في تقرير المصير بعيدا عن أية ضغوط إدارية أو عسكرية. فما تحتاجه افريقيا في هذه الاوقات العسيرة هو السلام قبل الغذاء، فهي تتوفر على ما يكفي من الموارد الاقتصادية ولكن ما ينقصها هو الاستقرار. وبالتأكيد ستدير افريقيا ظهرها لمن لا يسعى للسلام ومن لا يريد الاستقرار ومن لا يقدر معاناتها وكفاحاتها ضد الاستعمار، وبالأحرى لمن خرج عن صفها ورفض تطبيق قراراتها وداس أحد اهم المبادئ التي تأسست عليها الذي هو احترام حق الشعوب في تقرير المصير والاستقلال.
 
دعم الكفاح الذي تخوضه الجمهورية الصحراوية، من اجل تحرير الأجزاء المحتلة من اراضيها من طرف المملكة المغربية، ظل مسؤولية ملقاة على عاتق إفريقيا لأنه لن يكتمل تحريرها الا بإنهاء الاستعمار من الصحراء الغربية. فالقضية الصحراوية واضحة وضوح الشمس بالنسبة للافارقة وقراراتهم بخصوصها هي الاخرى واضحة، حيث انهم منذ الستينات وهم يعالجون قضية الصحراء الغربية انطلاقا من كونها مسألة تصفية استعمار وحلها يكمن في تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير، فهذا هو موقفها ابان الاستعمار الاسباني وهو نفسه الذي أعلنت عنه اثناء الاجتياح العسكري المغربي للأراضي الصحراوية سنة 1975 بل وطالبت حينها بالانسحاب الفوري للقوات المغربية، ولازال هذا الموقف ثابتا الى يومنا هذا. وقرار قبول الجمهورية الصحراوية كعضو كامل الحقوق في منظمة الوحدة الإفريقية اكسبت الجمهورية الصحراوية الكثير من الاحترام.
 
لقد اختارت المغرب طواعية الخروج من الحضن الافريقي وادارت ظهرها لإرادة الافارقة سنة 1984، وفضلت ان تبقى خارج السرب احتجاجا على القرار المنطقي الذي اتخذته منظمة الوحدة الإفريقية عندما قبلت بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية كعضو كامل الحقوق كغيرها من الدول الاعضاء، والتي أصبحت فيما بعد من المؤسسين للاتحاد الافريقي. فلتتأكد المملكة المغربية ان افريقيا لن تحيد قيد أنملة عن موقفها الثابت اتجاه القضية الصحراوية ومساندة الجمهورية الصحراوية، ومبادئها اسمى من ان تباع في الاسواق.
 
وما ان انضمت المغرب للاتحاد الافريقي حتى ظهرت النوايا الخبيثة للنظام المغربي في تدمير إنجازات القارة الافريقية، وتأكد جليا ان عودتها لن تكن بدافع محبة فيها بحكم انتمائها لها ولا من أجل المساهمة في الدفع بعجلة التنمية والتقدم ولا من أجل تحقيق تطلعات شعوبها، وانما بهدف إبقاء القارة وشعوبها رهينة السياسات الاستعمارية وخاصة الفرنسية. ان نجاح إفريقيا في تكوين نفسها ككتلة وازنة سياسيا واقتصاديا سوف يخرجها من قبضة السياسات الاستعمارية التي ظلت تلاحقها وتستنزف خيراتها.
 
والخلاصة هي ان المملكة المغربية وجدت نفسها أمام حقيقة صحراوية ثابتة ولا رجعة فيها ولا مساومة عليها من طرف الافارقة، فلا قرارات الاتحاد الإفريقي ذات الصلة بالقضية الصحراوية قابلة للتغيير ولا جدوائية من محاولات طرد الجمهورية الصحراوية، وقافلة افريقيا سائرة نحو صنع مستقبلها الزاهر ومهما كان حجم المؤامرات التي تحاك ضدها.
وأما أن يتعامل النظام المغربي مع هذه الحقيقة كماهي وهذا ما تريده إفريقيا، واما عكس ذلك، وهذا يعني الرجوع لنقطة الصفر وهو التغريد خارج السرب.
بقلم: الديش محمد الصالح

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق